السيد حسن القبانچي

44

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

ولكن الناس أمام هذه النعم وغيرها قليلا ما يشكرون . قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ « 1 » . ومنفعة الشكر لا تعود على اللّه فإنه لا ينتفع بشكر الشاكرين ، ولا يتضرر بكفر الكافرين ، وإنما منفعة الشكر عائدة على الشاكرين ، فهو يطهر النفوس ويقربها من اللّه ، ويوجه إرادتها إلى الوجهة الصالحة في إنفاق النعم في وجوهها المشروعة : ولهذا يقول سبحانه : وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ « 2 » . أما كفران النعم فيعرّضها للزوال ، لأنها تجعل المرء غير مبال بما يعمل ويبدد الثروة بدون منفعة ، ويتلف ما أنعم اللّه به عليه من نعم الصحة والعافية ويسير على غير المنهج الذي رسمه له الخالق ، فيؤدي به إلى غضب اللّه والبعد عن رحمته . والقرآن يخبر بأن خراب الأمم كان سببه كفران النعم ، وعدم الشكر للّه تعالى . قال سبحانه : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ « 3 » . وذكر القرآن قصة قوم سبأ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 25 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 26 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ « 4 » . فالشكر من الدعائم لسعادة الأمم ، والتنكب عنه لا يجلب غير الدمار والخراب ، حبذا لو فهمته الشعوب وعملت به لتحصل على السعادة التي تنشدها وهي عنه غافلة . وهنا نادرة طريفة أقصها : « حدث التاريخ أن السلطان ( سنجر السلجوقي ) ، مر في طريق وهو في موكب سلطنته ، وكان في الطريق درويش من أهل الفقر فسلم على السلطان فلم يرد عليه جواب التحية بلسانه بل حرك رأسه بدل الجواب . فقال الدرويش : أيها الملك ، إن الابتداء بالتحية مستحب وجوابها واجب ، وأنا قد أديت المستحب فلم لا تؤدّ الواجب .

--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية 60 . ( 2 ) سورة لقمان ، الآية 12 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية 112 . ( 4 ) سورة سبأ ، الآيات 15 - 17 .